مقال عن حديقة المحفل..للشيخ عبدالرحمن المزيني
بسم الله الرحمن الرحيم
كنت أسمع من بعض الغيورين عما يقع في حديقة المحفل في محافظة الرس من اختلاط وتبرج وسفور وكنت أقول في نفسي لعل هذا من المبالغات .
وقد يسر الله أن أمر على تلك الحديقة وميدانها . فرأيت عجبا : رأيت ما يندى له جبين الغيور وقلت : لا حول ولا قوة إلا بالله. وقلت : إذا كان هذا في حديقة مخصصة للعوائل فكيف بالأسواق التي هي أبغض البلاد إلى الله .. فإليكم ما رأيت :
* رأيت الاختلاط البين بين الجنسين رأيت الشاب يمر بين النساء وقد لبس كامل زينته كأنما دعي لمناسبة , ومنهم من لبس ( التكميلة ) الرياضية مع القبعة .
* رأيت الفتاة وهي تمشي على الميدان والشاب من ورائها كأنه أحد محارمها ولربما التقى بها في الميدان هي غادية وهو رائح وقد لبست ما يدل على قلة الحياء . ورأيت في تلك الحال ما يستحيى من ذكره .
* رأيت الفتاة التي أنعزلت وحدها وجلست على طرف الرصيف وهي مشغولة في هاتفها ، فقلت أسأل الله العافية .
* رأيت تفنن الفتيات والخادمات باللباس الذي لا يدل على الحياء .
* رأيت تجمعات الشباب العزاب داخل الحديقة من داخل المحافظة ومن خارجها .
* رأيت طريق الصناعية( أسامة بن زيد ) مزدحما بالسيارات ذاهبة وراجعة وسمعت أصوات الغناء من بعضها بأعلى صوت .
* رأيت أرقام الجوالات المميزة وغيرها وقد كتبت على الجدران وداخل دورات المياه المخصصة للعوائل بل قرأت الكلمات الرديئة . وقد سمعت الشكاوى من الرجال والنساء وهم يشكون من قلة الحياء بين الشباب والشابات .
كل هذا رأيته بأم عيني . ومما سرني ما سمعت من سرعة الاستجابة من الشباب والفتيات للناصحين . فا للهم لك الحمد .
واني والله ما أظن أحداً يأذن لأهله بالذهاب إلى تلك الأماكن وما شاكلها إلا جاهل بحال تلك الحديقة وأمثالها .
أقول ذلك لما أعلم عن أهلنا من الغيرة والحمية الدينية ونقاء البيوت ولله الحمد . وإلا فهل يرضى الكريم أن تذهب موليته إلى حيث البلاء وقلة الحياء ؟!
إن كريم العرض ليبذل الغالي والنفيس للدفاع عن شرفه ، وإن ذا المروءة الشهم يقدم ثروته ليسد أفواهاً تتطاول عليه بألسنتها أو تناله ببذيء ألفاظها . إن صاحب الغيرة ليخاطر بحياته ويبذل مهجته ويعرض نفسه لسهام المنايا عندما يرجم بشتيمة تلوث كرامته. يهون على الكرام أن تصاب الأجسام وتسيل الدماء ؟ لتسلم العقول وتحفظ الأعراض . وقد بلغ ديننا في ذلك الغاية حين أعلن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيما صح من قوله: { ومن قتل دون أهله فهو شهيد } .
وقد قيل قديما :
وَالْفَقْرُ يُزْرِي بِأَقْوَامٍ ذَوِي حَسَبٍ وَرُبَّمَا سَادَ نَذْلُ الْقَوْمِ بِالْمَالِ
أَصُونُ عِرْضِي بِمَالِي لَا أُدَنِّسُهُ لَا بَارَكَ اللَّهُ بَعْدَ الْعِرْضِ فِي الْمَالِ
وقيل :
أقي العرض بالمال التلاد وما عسى … أخوك إذا ما ضيع العرض يشترى
قال الحسين بن علي رضي الله عنه : ” خير المال ما وقي به العرض ” .
وقال ابن القيم رحمه الله : ( إذا رحلت الغيرة من القلب ترحلت المحبة بل ترحل الدين كله).
لقد كان أصحاب رسول الله من أشد الناس غيرةً على أعراضهم . فقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يوماً قال لأصحابه : { إن دخل أحدكم على أهله ووجد ما يريبه أشهد أربعاً } ، فقام سعد بن معاذ متأثراً فقال : يا رسول الله : أأدخل على أهلي فأجد ما يريبني أنتظر حتى أشهد أربعاً ؟ لا والذي بعثك بالحق !! إن رأيت ما يريبني في أهلي لأطيحن بالرأس عن الجسد ولأضربن بالسيف غير مصفح وليفعل الله بي بعد ذلك ما يشاء ، فقال : { أتعجبون من غيرة سعد ؟ والله لأنا أغير منه ، والله أغير مني ، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن } .. الحديث ، وأصله في الصحيحين .
فيا شباب الإسلام احفظوا أعراضكم بغض أبصاركم والترفع عن مواطن الريب فكما أنك لا ترضى الفساد لأهلك فالناس لا يرضونه ؛ فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتاه غلام شاب فقال : يا رسول الله ائذن لي في الزنا ، فصاح به الناس وقالوا : مه ؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم : ( ذروه ، اُدنُ ) ، فدنا حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : ( أتحبه لأمك ؟ ) قال : لا ، قال : ( فكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم أتحبه لابنتك ؟ ) قال : لا ، قال : ( وكذلك الناس لا يحبونه لبناتهم ، أتحبه لأختك ؟) قال : لا ، قال : ( فكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم أتحبه لعمتك ؟ ) قال : لا ، قال : ( فكذلك الناس لا يحبونه لعماتهم أتحبه لخالتك ؟ ) قال : لا ، قال : ( وكذلك الناس لا يحبونه لخالاتهم فاكره لهم ما تكره لنفسك وأحب لهم ما تحب لنفسك ) فقال : يا رسول الله ادع الله أن يطهر قلبي فوضع النبي صلى الله عليه و سلم يده على صدره فقال : ( اللهم أغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه قال فلم يكن بعد ذلك يلتفت إلى شيء ) .اللهم نسألك الطهر.
إن من حُرم الغيرة حُرم طهر الحياة ، ومن حُرم طهر الحياة فهو أحط من بهيمة الأنعام ، ولا يمتدح بالغيرة إلا كرام الرجال وكرائم النساء . إن الحياة الطاهرة تحتاج إلى ، عزائم الأخيار، وأما عيشة الدعارة فطريقها سهل الانحدار والانهيار، وبالمكاره حفت الجنة ، وبالشهوات حفت النار . إن في ظلال الفضيلة عفة وأمانا ، وفي مهاوي الرذيلة ذلة وهوانا ، والرجل هو صاحب القوامة في الأسرة ، وإذا ضعف القوام فسد الأقوام ، وإذا فسد الأقوام خسروا الفضيلة ، وفقدوا العفة ، وتاجروا بالأعراض ، وأصبحوا كالمياه في المفازات يلغ فيها كل كلب ويكدر ماءها كل وارد . فالواجب على الأولياء مراقبة الأبناء والبنات وتربيتهم على الطهر والعفاف وتزويج الأيامى منهم عملا بقوله تعالى : ((وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ..))الآية . واستجابة لما في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : (كنا مع النبي صلى الله عليه و سلم شبابا لا نجد فقال لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء )
إننا في دولة يحكمها أهل الغيرة والحمية الدينية , ونعلم أنهم لا يرضون بهذا ولا بعض هذا . فلماذا لا تتكاتف جهود المسؤولين في جميع قطاعات المحافظة وهم مسؤولون عن حفظ الأعراض بين يدي ولي الأمر- سدده الله- فقد أحسن بهم الظن وهم كذالك.
فلماذا لا تتظافر الجهود حماية للأعراض والأخلاق , وإن أملنا في الله تعالى ثم بإخواننا في المحافظة أمل كبير في إصلاح الحال ودرء الفساد فقد تحملوا المسؤولية طائعين . قال تعالى : ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) . وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، فَالإِمَامُ رَاعٍ ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ في أَهْلِهِ رَاعٍ ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالْمَرْأَةُ في بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهْىَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ، وَالْخَادِمُ في مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ » . قَالَ فَسَمِعْتُ هَؤُلاَءِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَحْسِبُ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « وَالرَّجُلُ في مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ » .
اللهم أصلح أحوالنا وأحفظ علينا نعمة الأمن والإيمان وأعذنا من نزغات الشياطين
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
كتبه / عبد الرحمن بن صالح المزيني
جمادى الأولى 1429هـ





أضف تعليق